ابن تيمية
110
مجموعة الفتاوى
فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ؛ بَلْ الَّذِي رَأَيْته أَنَّ كَثِيراً مِنْ كَلَامِهِمْ يَدُلُّ - إمَّا نَصّاً وَإِمَّا ظَاهِراً - عَلَى تَقْرِيرِ جِنْسِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَلَا أَنْقُلُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إثْبَاتَ كُلِّ صِفَةٍ ؛ بَلْ الَّذِي رَأَيْته أَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ جِنْسَهَا فِي الْجُمْلَةِ ؛ وَمَا رَأَيْت أَحَداً مِنْهُمْ نَفَاهَا . وَإِنَّمَا يَنْفُونَ التَّشْبِيهَ وَيُنْكِرُونَ عَلَى الْمُشَبِّهَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ ؛ مَعَ إنْكَارِهِمْ عَلَى مَنْ يَنْفِي الصِّفَاتِ أَيْضاً ؛ كَقَوْلِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ الخزاعي شَيْخِ الْبُخَارِيِّ : مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَقَدْ كَفَرَ وَمَنْ جَحَدَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ وَلَيْسَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَلَا رَسُولُهُ تَشْبِيهاً . وَكَانُوا إذَا رَأَوْا الرَّجُلَ قَدْ أَغْرَقَ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِ الصِّفَاتِ قَالُوا : هَذَا جهمي مُعَطِّلٌ ؛ وَهَذَا كَثِيرٌ جِدّاً فِي كَلَامِهِمْ فَإِنَّ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةَ إلَى الْيَوْمِ يُسَمُّونَ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئاً مِن الصِّفَاتِ مُشَبِّهاً - كَذِباً مِنْهُمْ وَافْتِرَاءً - حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ غَلَا وَرَمَى الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ حَتَّى قَالَ ثُمَامَةُ بْنُ الْأَشْرَسِ مِنْ رُؤَسَاءَ الْجَهْمِيَّة : ثَلَاثَةٌ مِن الأَنْبِيَاءِ مُشَبِّهَةٌ ؛ مُوسَى حَيْثُ قَالَ : { إنْ هِيَ إلَّا فِتْنَتُكَ } وَعِيسَى حَيْثُ قَالَ : { تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ : { يَنْزِلُ رَبُّنَا } . وَحَتَّى إنَّ جُلَّ الْمُعْتَزِلَةِ تُدْخِلُ عَامَّةَ الْأَئِمَّةِ : مِثْلَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَالْأَوْزَاعِي وَأَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَد وَأَصْحَابِهِ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ فِي قِسْمِ الْمُشَبِّهَةِ .